أبي الفرج الأصفهاني

34

الأغاني

وغنّى فيه ، وغنّى فيه أيضا سنان الكاتب ، وشاع في الناس وقالوا : قد فتك [ 1 ] الدارميّ ورجع عن نسكه ؛ فلم تبق في المدينة ظريفة إلا ابتاعت خمارا أسود حتى نفد ما كان مع العراقيّ منها ؛ فلما علم بذلك الدارميّ رجع إلى نسكه ولزم المسجد . فأما نسبة هذا الصوت فإنّ الشعر فيه للدارميّ والغناء أيضا ، وهو خفيف ثقيل أوّل بالسبّابة في مجرى الوسطى عن إسحاق . وفيه لسنان الكاتب رمل بالوسطى عن حبش . وذكر حبش أن فيه لابن سريج هزجا بالبنصر . أخبرني إسماعيل بن يونس قال حدّثني أبو هفّان قال : حضرت يوما مجلس بعض قوّاد الأتراك وكانت له ستارة فنصبت ، فقال لها [ 2 ] : غنّي صوت الخمار الأسود المليح ، فلم ندر ما أراد حتى غنّت : قل للمليحة في الخمار الأسود ثم أمسك ساعة ثم قال لها غنّي : إني خريت وجئت أنتقله فضحكت ثم قالت : هذا يشبهك ! فلم ندر أيضا ما أراد حتى غنّت : إنّ الخليط أجدّ منتقله بخله وظرفه : أخبرني الحسن بن عليّ قال حدّثنا هارون بن محمد قال حدّثني محمد بن أخي سلَّم [ 3 ] الخزاعيّ قال حدّثني الحرمازيّ قال زعم [ لي ] [ 4 ] ابن مودود قال : / كان الدارميّ المكيّ شاعرا ظريفا وكانت متفتّيات [ 5 ] أهل مكة لا يطيب لهن متنزّه إلَّا بالدارمي ، فاجتمع جماعة منهنّ في متنزّه لهنّ ، وفيهنّ صديقة له ، وكلّ واحدة منهنّ قد واعدت هواها [ 6 ] ، فخرجن حتى أتين الجحفة [ 7 ] وهو معهنّ ؛ فقال بعضهنّ لبعض : كيف لنا أن نخلو مع هؤلاء الرجال من الدارميّ ؟ فإنّا إن فعلنا قطَّعنا في الأرض [ 8 ] ! قالت لهنّ صاحبته : أنا أكفيكنّه ؛ قلن : إنا نريد ألَّا يلومنا ؛ قالت : عليّ أن ينصرف حامدا ، وكان أبخل الناس ، فأتته فقالت : يا دارميّ ، إنّا قد تفلنا [ 9 ] فاجلب لنا طيبا [ 10 ] ؛ قال نعم هو ذا ، آتي سوق الجحفة آتيكنّ منها بطيب ؛ فأتى المكارين فاكترى حمارا فصار عليه إلى مكة وهو يقول :

--> [ 1 ] فتك : مجن . [ 2 ] لم يتقدم لهذا الضمير مرجع ولكنه مفهوم من سياق الكلام أنه للجارية التي أمرت بالغناء . [ 3 ] كذا في أغلب النسخ . وفي ب ، س ، ح : « محمد بن أبي سلمة الخزاعي » . [ 4 ] هذه الكلمة ساقطة من ب ، س . [ 5 ] متفتيات : وصف من تفتت الجارية إذا راهقت فخدّرت ومنعت من اللعب مع الصبيان . [ 6 ] هواها : من تهواه وتحبه . [ 7 ] الجحفة : قرية بطريق المدينة على أربع مراحل من مكة ، وهي ميقات أهل مصر والشأم إن لم يمروا على المدينة ، فإن مروا بالمدينة فميقاتهم ذو الحليفة . [ 8 ] يريد أنه يمزق أعراضهن وينشر ذلك في الأرض بين الناس . [ 9 ] تفل كفرح : تغيرت رائحته لطول عهده بترك الطيب . [ 10 ] في ط ، أ ، م : « فاحتل لنا طيبا » .